الرئيسية / مقالات / الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب ..صلاة الميت لا ركوع فيها..!!

الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب ..صلاة الميت لا ركوع فيها..!!


استوقفتني عبارة قالها جلال الرومى الزاهد الجليل فقد قال لاتركع لمن أراد الرحيل فصلاة الميت لاركوع فيها…

لم استوعب مغزى هذه الجملة البليغة إلا عندما حاولت جاهدة أن ارصد الحياة بما فيها من تغيرات وتقلبات، وكان أحدثها عندما التقيت بزميل لى من أيام المرحلة الابتدائية، التقيته صدفة فى احدى الاشارات المرورية واحد السائقين يكيل له من الإهانات مايعجز عن قبولها بشر وهو مبتسما كعادته فى أصعب المواقف لايتحدث ولايرد فقط يبتسم ويعتذر حتى أن لم يكن مخطئا؛ لاادري لماذا تدخلت واستطعت بذكاء الأنثى أن أفض الاشتباك وأنهى المشاجرة التى من طرف واحد ؛ الغريب أن صديقى مجدى لم يتعرف على ، عكسى تماما انا التى عرفته من أول لحظة ؛ وبنفس الابتسامة التى طالما اخذتنى وانا صبية فى اخر مراحل التعليم الإبتدائي؛ بنفس الابتسامة شكرنى وهم بالعودة إلى سيارته ولكنى استوقفته منادية اياه بإسمه فالتفت متفاجئا ولم يكمل اندهاشه ويسأل عن كيفية معرفتى أسمه واتسعت ابتسامته لتكون ضحكة جميلة ويقول لى ” مش معقول بعد العمر ده كله اشوفك ، اركبى وتعالى نقعد فى أى مكان ؛ ده انتى وحشانى بشكل متقدريش تتصوريه”. .

بدون اى ردة فعل ولا كلمة منى ركبت بجواره وانا لاادري ماذا سيحدث بعد ذلك ؛ الذكريات تزاحمنى وتعود بى إلى بيت ابى رحمه الله ومجدي جارى ورفيق سنين دراستى الابتدائية كل يوم أذهب معه ممسكا بيده كما وصتنى امى وأمه بأنه اخى ولابد أن أسمع كلامه واحتمى به إذا ماتعرض لى اى احد فى الشارع أو المدرسة. وعلى الرغم من ان مجدى لم يكن قويا إلا اننى كنت أشعر معه بالأمان والقوة لدرجة اننى كنت اهدد اى حد يفكر مجرد التفكير في التعرض لى بالسوء اهدده بمجدى الذى كان لديه قدرة غريبة على احتواء اى شخص واجباره على الاعتذار بكل أريحية وهدوء…

ظل حالى مع مجدى حتى السنة الرابعة وبعدها رفض أن يرافقنى ممسكا بيدى وبعدها رفض أن يكون معى فى أى مكان لأن زملاءه يعايروه بأنه مش راجل وانه بيمشى مع البنات؛ كان يوما قاسيا على حياتى كلها وشكوته لأمه وكانت مريضة بمرض عضال قيل إنه السل حينها فهونت عليا الأمر ووعدتنى بأنها ستؤدبه وتعيده إلى سابق عهده معى ولكنه لم يعد وعندما حكيت لأمى وأبى رحمهما الله وبخانى كلاهما وانتقص سلوكى المتمثل بذهابى لأمه شاكية ؛ وقال لى ” عمرك متقللى من نفسك أبدا اللى يسيبك سيبيه ولاتصدم وراكى انت كبيرة اوى يابنتى فمتصغريش نفسك ، جنس الرجالة وانا منهم مبيحترموش اللى تجرى وراهم ابدا؛ ده درس ليكى اتعلمى منه لما تكبرى ” ولم اتعلم من درس ابى ابدا وظللت كما انا اقيس الأمور بمشاعرى الطفولية واسعى دوما على أن أكون المبادرة بالصلح حتى أن لم أكن مخطئة لأننى أخاف أن اقابل الخالق وبينى وبين أحدا من خصومة. …

مجدى كبر وانا أيضا وانتقلنا إلى التعليم الاعدادى كل منا فى مدرسة مختلفة اذا التقينا تبسم مسلما بعينيه فقط وانا اشيح وجهى عنه كارهة طريقته فى التعامل معى رافضة اسلوبه فى معاملة زميلته وجارته التى هى انا…..

فى اول سنة من المرحلة الثانوية ماتت ام مجدى تاركة مجدى وأخوته الثلاثة ؛ حزنت جدا عليها وذهبت معزية وعندما استقبلنى قال وهو يبكى بكاء متواصلا بأنها ارتاحت. .

بعد أشهر قليلة تزوج أبو مجدى من فتاة صغيرة وبعد أشهر أقل تركت أسرة مجدى المنطقة كلها ولم يخبروا أحدا بوجهتهم حتى مجدى لم يقل لى شيئا فقط قال لى ناصحا لاتتمسكى بمن لايتمسك بكى فأنت جميلة لدرجة أن من يتركك هو الخاسر….

لم أسأله عن سبب الجملة ولماذا قالها ولكنى عندما علمت بخبر رحيلهم عن منطقتنا فهمت انه كان يقصد به القادم من الحياة.

وكبرت وانهيت تعليمى الجامعى ورأيت فى الدنيا كل عجائبها وآخرها كان أن التقى بمجدى واركب معه سيارته واجلس بجواره واتطلع إلى وجهه وأرى ابتسامته واسمع إليه وهى يحكى لى مافعلته به الدنيا التى استفردت به على حد قوله وعصرته عصرا بوفاة أبيه وتحمله مسؤولية إخوته وزوجة أبيه وابنها الذى انجبته من أبيه ورفضها الزواج واصرارها على أن تظل معهم بمثابة الأم ….

الحمل جعله ينتسب للجامعة ويعمل لكسب قوته وقوة إخوته لأن معاش أبيه كان زهيدا لايكفى هذه الآسرة الكبيرة ومتطلباتها المتعددة…

أصر على تعليم إخوته تعليما جامعيا مهما كلفه ذلك وأتم طريقه واوفى بوصية زوجة أبيه التى ماتت فى ريعان شبابها اوصته بأن يعلم ابنها ولايتركه وحيدا…

الكل ثبت قدمه على طريق الحياة ومنهم من سافر للعمل فى الخارج ومنهم من تزوج واستقر وهو كما هو مبتسم وحيد ويكرر جملته الأزلية التى اقتبسها من مولانا جلال الرومى لاتركع لمن أراد الرحيل…..

فصلاة الميت لاركوع فيها….

عن admin

شاهد أيضاً

الدكتورة دعاء راجح تكتب..كيف ننسى الذكريات المؤلمة…

طول ما احنا قاعدين نفتكر و نسترسل مع الذكرى المؤلمة طول ما هتقفز كل شوية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *