الرئيسية / مقالات / شيرين إحسان تكتب..تحية لأم مصطفى
شيرين احسان

شيرين إحسان تكتب..تحية لأم مصطفى

كم انت قاسية أيتها الحياة و كم انت صبورة أيتها الأم الحمولة ..وسط زحام العاصمة و شوارعها المكتظة بالبشر لم تكل و لم تمل او تتأخر يوما عن تلك المهمة الشاقة التى اختارها الله لها ..مهمة تنوء بحملها الجبال و ترهق قلب أم مكلومة فى اثنين من فلذات كبدها ، شاءت أرادة الله أن يولدا بإعاقة ذهنية ..
بوجه بشوش و عباية سمراء بسيطة و خمار تهتكت خيوطه بفعل شقاء السنين و ثقل الهموم كانت تستقل الميكروباص و وبجوارها طفليها.. بكل حنو و لطف تتعامل مع حالتهما دون ضيق أو ضجر الابن صبى تجاوز العشر سنو ات بقليل و الابنة لا تزيد عن العشر سنوات . يجلسا بجوارها خلف مقعد سائق الميكروباص .الابن ” مصطفى” كما عرفت منه فهو يتحدث بصعوبة و لكن بمفردات لغوية أوضح بكثير عن مفردات شقيقته “أحلام” التى لم تتحدث كثيرا.
بين الحين و الآخر يقوم مصطفى بتقبيل والدته و يهمس فى أذنها بعفوية شديدة و بكل صبر و حنان تتعامل معه الأم و تتحدث إليه ، قلت له حلوه ماما صح يبتسم و يحتضنها و يمنحها قبله تنير وجه أم مصطفى بابتسامة هى أغلى ما فى الدنيا ..أنها ابتسامة الرضا بالمقسوم و القناعة بعطاء الله كرمه .
سألت أم مصطفى عن محل سكنها عرفت أنها تعيش فى منطقة القلج بينما جاءت إلى جامعة عين شمس لأحد مراكز علاج مثل حالات طفليها ..
رغم بعد المسافة و مشقة المواصلات لم تتأخر أم مصطفى عن مساعدة طفليها و رغم ضيق العيش و الظروف المادية الصعبة مازالت تتمسك بالأمل فى تأهيلهما وتدعو الله أن تتحسن حالتها و لو بنسبة ضئيلة .
لم تفكر الأم يوما فى التجارة بحالة طفليها و التسول بهما على الأرصفة أو فى عربات المترو فما أكثر الحالات المماثلة التى نجدها تستدر عطف المارة و الركاب بل إن هناك من يدعى الإصابة أو يخطف طفلا ليتسول به فى استغلال لطيبة المواطنين .
الف تحية لام مصطفى نموذج و مثال للمرأة المصرية المكافحة بكل إيمان و صبر على ما ابتلاها به الله فى طفليها فلم تستسلم للحزن و الانكسار و تحلت بالصبر الجميل المغلف بالأمل والرجاء ..فالابن المعاق لن يتحسن بالدموع و الحزن و إنما قد تتحول هذة الدموع لقوة دفع حتى يتغير حاله إلى أقصى درجة ممكنة .و لا تحتاج أم مصطفى و مثيلاتها ممن هم فى نفس ظروفها سوى الدعم المجتمعى و رعاية الدولة و مؤسساتها لدمج هذة الحالات فى المجتمع .
و هنا تذكرت تلك الفتاة الصغيرة زميلة ابنتى فى المدرسة الابتدائية ، هذا الوجه الطفولى البرئ و ملامحها التى تنبئ عن مرضها ،فقد كانت لا تملك عقل طفلة فى سنها بل أقل من أقرانها بنسبة ما ولكن وعى والدتها كان كبير فقد حرصت على دمج طفلتها فى المدرسة مع زملاء و مجتمع الدراسة كانت تتابعها فى كل شى و حريصة على ثيابها الأنيق و شعرها المهندم وكانت ابنتى هى أقرب صديقاتها لما كان لابنتى من صبر و حلم فى التعامل معها كانت حالتها تتحسن من سنة إلى سنة حتى وصلت للمرحلة الإعدادية و افترقا فى المرحلة الثانوية و بالصدفة علمت أنها التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة و كانت فرحتي غامرة بالابنة وتكليل جهد و مثابرة الأم بالنجاح حتى حققت حلمها و لم تستسلم لليأس و الحزن على حالة ابنتها .
وعلمت أن الأم أسست جمعية لمساعدة أمهات يعانين نفس الظروف وتقديم خدمات تخرجهن من فخ الصدمة و الإحباط .
أنها سنة الحياة التى خلقنا الله علينا و هى الابتلاء كما يقول سبحانة” لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ” والله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين يبتلي الإنسان بقدر معلوم ذلك القدر الذي يستطيع تحمله بنائه النفسي والانفعالي والإيماني حتى لو تحمله بشيء من الضغط ولكنه في استطاعته تحمله ووفقا لهذه القدرة سيحاسب على عمله سيحاسب إن رضي أو سخط .

عن admin

شاهد أيضاً

الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب.. وكان ليه..!!!

عشرون عاما بعد موته وهو لاينسى لحظة حضور ملك الموت وترجيه له بان يتركه للحياة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *