الرئيسية / مقالات / الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب …وكان حقاً علينا الوداع…!!

الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب …وكان حقاً علينا الوداع…!!

فى بيت مصرى أصيل نشأ وترعرع محمد وسط اربع من اخوته بنتين وولدين هو اكبرهم .

الوالدات كانا نموذجا للطيبة ورقة المشاعر وحب الغير ، وفتحا بيتهما لكل القادمين من قريتهم المنتمية لمحافظة المنوفية …

ووسط إصرار الوالدين على ان يكون كل الابناء حاصلين على تعليم عالى استكمل الابناء تعليمهم حتى حصلوا على البكالوريوس والليسانس ، وتزوجت الابنتان وسافر الولدان للعمل فى الخارج مع التعهد بارسال الاموال لاسرتيهما كجزء من المساعدة فى استكمال مسيرة الحياة ، وايضا لشراء ارض فى القرية ؛ وبناء بيت كبير يكون مجهزا لهما ولاخوانهم فى المستقبل يتناسب مع المرحلة الحالية التى ابتسمت لهم فيها الدنيا ، كل الابناء طلبوا من محمد ان يظل بجوار والديه ولا يفكر فى السفر الى الخارج ولا حتى الانتقال لسكن آخر ، راجين اياه ان ينفذ مطلبهم حتى يشعروا بالاطمئنان على والديهم بوجوده معهما …

محمد كان يمتاز بالطيبة المفرطة لدرجة انهم كانوا يطلقون عليه لقب انه (آلاوى ) ولم يستوعب كيف يطلبون منه ذلك المطلب الغريب باللقاء مع والديه وكأنه مطلب لم يكن ليوافق عليه ، فهو يحب والديه ولم يفكر ابدا فى الابتعاد عنهما ؛ وتركهما فى هذه المرحلة العمرية ، وأنه رفض عن طيب خاطر الاعارة الى اكثر من دولة خليجية وآثر البقاء معهما ، بل انه رفض دورة تدريبية فى بلاد العم سام تفتح له ابواب التميز والاقامة والجنسية ، كل ذلك من أجل والديه ، أدبه الجم منعه من ذكر ذلك لأخوته ولابويه واكتفى باظهار موافقته لاخوته على مطلبهم الغريب منهم له . عاش مع والديه سنين طويلة لم يرسل خلالهم اخوته ماتعهدوا به من اموال لبناء البيت المتهالك ولا شراء اراضى فى القرية ، وعلم محمد انهم اشتروا فيلات فى المنتجعات الحديثة ، وشاليهات فى القرى السياحية وشاركوا اقارب زوجاتهم فى مشاريع كبيرة تدر أرباحا طائلة ، وكانوا كلما اتصلوا يشتكون ضيق الحياة وغلاء المعيشة ، والتخوف من التفنيش والعودة بلا أموال والتخبط فى العيش من جديد والبحث عن وظائف ، كان الوالدان يدعوان لهما وهو يكتم مايعلمه حتى لايحزن والديه ، كل مايتقضاه يصرفه على والديه ولايجد مايسمح له بمجرد التفكير فى حياة اسرية جديدة مستقبلية ، الا انه كان سعيدا باسعاد والديه اللذان كانا يدعوان له دوما بالسعادة والرزق الواسع ، وكان يبتسم من دعوتهما التى لم تتحقق فرزقه كما هو لم تتسع روافده ولكنه راض ، اختاع كانتا تأتيان من حين لاخر وكل منهما تنفق على قدر سعتها ؛ وكان محمد يطلب منهما ان تأتيا بلا اى شىء وان الحال على مايرام وان بينهما احق بما يستقطعونها منه وهما قادمتان الى الوالدين ، ويؤكد لهما ان معه مايكفي ويزيد للانفاق على والديه ..

بل انه كان يصر ان يعطيهما كل مرة اكثر مما يحضرانه حتى يعودا الى زوجيهما محملتان بالخير من بيت والديهما…

. سنوات طالت ومحمد على عهده بارا بوالديه وهاهو الان فى مطلع الاربعين من عمره وكل من يراه يدعو له بالخير ويؤكدون له ان البار بوالديه لن يخزى ابدا ، لم يكن بحاجة الى اشادات البشر كل مايحتاجه هو اسعاد والديه ورضا ربه .

وفى وقت متلاحق مرضت امه مرضا عضالا جعلها طريحة الفراش وحينها تحولت حياته الى مرحلة جديدة مرحلة ان يقوم بتولى امر أمه من الالف الى الياء ؛ وفى ظل زحمة الحياة وعدم تفرغ البنات لرعاية الام وانشغالهما ببيتهما وازواجهما واولادهما ، كان يتقاسم رعاية امه مع ابيه الحزين على ماألم برفيقة عمره من تغيير فادح فى صحتها ؛ وحزنه على عدم نطقها، وبكاءها الدائم ، وعندما جاء اتصال اخوته الذى يغيب لشهور ويأتى لدقائق ؛ بكى الاب عندما اخبر ابنيه بتعب امهما وبانه خائفا من الفراق الذى بات قريبا جدا …

وتوقع الاب ان ياتى ابناه ويساعدا اخاهما بل ويزورا امهما وابيهما اللذان لم يراهما منذ عقد كامل ؛ وربما اكثر ، فقد كانا ينزلان ولايخبرا ابويهما بذلك وعندما يعلم محمد يخاف ان يخبر والديه فيحزنا ، وكان يكذب عليهما ويقول انه هو من يطلب منهما عدم النزول حتى لايبددا الاموال وخاصة ان رزقهما هناك بالكاد يكفى متطلباتهم المعيشية .

استسمح محمد اباه بان ياخذ منه التليفون ويكلم اخويه وفى جانب بعيد من المنزل ، وبصوت منخفض طلب منهما واحدا تلو الاخر ان يأتيا اليه ، ويكونا معه وخاصة ان امهما فى مرحلة صعبة وان رؤيتهما قد تخفف عنها التعب ، بل ربما تكون سببا فى الشفاء ، ولم يكمل حواره فقد صدم بردهما بأنهما يفهمان من حواره انه سينتقل لنقطة ارسل لنا اموال لعلاج الام ،ونفقة الاب ، وبالطبع هما لايملكان شىء، وانه اذا كان طامعا فى الاموال فهذا الطمع ليس فى محله .

هذه الكلمات كانت بقعة سوداء ملأت طريق حياته كله واندهش من كم الجحود الذى يشعر به اخوته . اربع سنوات مرت عليه يصل الليل بالنهار فى رعاية ابويه ويسعد بنظرة الرضا والامتنان فى عينيهما ، وجاءت ساعة الفراق وكم كانت خاطفة قابضة فى يومين متتابعين غادراوالداه الحياة واصبح وحيدا وهو على مشارف الخمسين ليصدمه اخوته برغبتهم بهدم البيت وانشاء برج سكنى مع طمأنته بأنهم سيعطونه شقة فيه ، علت ضحكاته عنان السماء وتذكرهم حينما كانوا يصفونه بالطيب ويقصدون العبيط ، والان ماذا يتبقى معه ليناهض به ومن اجله ..

يقولون ان محمدا ترك البلاد وهاجر وبانه تزوج من ثرية خليجية وبانه يعيش حياة كريمة ومعه من الابناء كثير والبعض يقول انه صار درويشا ويردد فى كل مكان ووقت جملة : محمد طيب سهل تاخد منه كل حاجه …

ويوجد من يقول انه مات حزنا من ردة فعل اخوته فى حين يؤكد بعض من المقربين منه انه يعيش فى رحاب الله متمتعا بدعوات والديه وبره لهما وبانه ينهل من الخير ماقدر له الله وبأن وجهه كله نور وبأن لسانه لاينفك عن ترديد وقل ربى ارحمهما كما ربياني صغيرا .

عن admin

شاهد أيضاً

الدكتورة دعاء راجح تكتب..كيف ننسى الذكريات المؤلمة…

طول ما احنا قاعدين نفتكر و نسترسل مع الذكرى المؤلمة طول ما هتقفز كل شوية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *