الرئيسية / مقالات / الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب.. الغياب..!!

الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب.. الغياب..!!


منذ صغره وعلمته امه ان يدون مايفتقده ويضعه تحت بند الغياب .

كان صغيرا ليتعلم قسوة غياب الاب عن بيته ويرى الدموع متحجرة فى عين امه والابتسامات باهتة فى وجه اخيه واخته الصغيرين ، اباه اختار ان يترك البيت وينسحب من حياتهم ويبتعد تاركا امه تواجه الحياة بمفردها ومعها ثلاثة ابناء كبيرهم لم يتخطى العاشرة من عمره .

امه كانت جبلا تحملت مجتمع فظ يعج بذئاب بشرية كل منهم يحاول ان ينقض عليها بطريقة او بأخرى بعضهم يعرض الزواج ولكن بطريقته التى تصل به اخر الامر الى الحصول على لذات بأرخص الاثمان ، وآخرون يعرضون زواجا عرفيا وبينهم كلاب الشارع يمهدون الوسائل للنيل منها والانقضاض عليها .

عندما تركهم ابيهم كانت امه في مقتبل الاربعين من عمرها ، جميلة ، عفية ، ملامحها تحمل مزيج من السمار المصرى والخمرية الايطالية لامتداد جذورها لنسل صقلى من جدها لابيها .

عبء ثقيل استطاعت ان تحمله على ظهرها وتسير به وتواجه به المجتمع القاسي الذى حملها مسئولية هجر زوجها لبيته واعطاه الف سبب ولم يعطها عذر واحد بل قسى عليها وحملها كل المساوىء ونظر اليها نظرة المذنبة التى طفشت زوجها منها وجعلته يفضل البعد عن بيته وترك اولاده هربا منها ، ولم تدافع عن نفسها ولم تبرر لهم ولم تشرح..

فقط اكتفت بأن تحصن ابناءها وتحتضنهم وتعلمهم التكيف مع الغياب فكان اول درس لابنه البكر ان يكون معه دفتر اسمه دفتر الغياب وفيه يكتب اسم من غاب عنه وماتركه فى غيابه وهل هذا الغياب من الممكن ان يعوض ؟

وهل يوجد من يحل محله؟

وايضا هل غيابه مزلل لسريان حركة الكون ام ان الحياة تمضى ولم تتأثر؟..

درس امه ودفتر غيابه كان بالنسبه له نبراسا لحياته حفظه عن ظهر قلب وكان اول من سطره اسم ابيه وبكت عينه كثيرا وهو يقول رغم صغرى وعدم اكتفائى منك ياابى الا ان غيابك كان قاتلا فقد انقض ركن قوى من اركان بيتنا واكتسى الحزن ملامح امى وانكسر قلبها وعبثا حاولت اسعادها ولكننى فشلت بنجاح فقد كانت تعيش دورا اخر بعد هروبك او هجرك او تركك ايا كان المسمى كانت تعيش بدورين اب وام وبينهما تحاول ان تمثل انها سعيدة وراضية وتخفى مايكنه قلبها من الم الفقد بهذه الطريقة المهينة لادميتها وانوثتها ، احيانا كثيرة كنت اهم ان اسألها هل لو مت ياابى كان فقدك وغيابك سيكون اهون عليها من طريقة تملصك منها ومن دورك فى حياتها ؟

كلما هممت بسؤالها اتراجع لانى اعلم ان مجرد ذكر وفاتك امامها سيحولها الى كرة نار تلهب البيت كله؛ فهى رغم مافعلته بها لاتتمنى موتك ولاتريد لك الا ان تعيش طويلا لتعلم ان مافعلته كان جرما فى حقها وحق بيتك واولادك ، امى على علم تام بأن البيت لم يعد كما كان وانت فيه وان الابناء فقدوا سندا وظهرا وظهيرا ولكنها لاتملك سوى التعايش مع واقعها وان تثبت لنا وللناس كلهم ان على قدر المسؤلية ..

غيابك ياابى لم يكن يملأه ارسالك الاموال ولا ان تقابلنا من حين لاخر بل بالعكس كان كل لقاء يعيدنا الى المربع صفر والى العودة من حيث بدأنا ، وهانحن كبرنا وانت ايضا وصرنا نجرى اليك اذا علمنا بمرضك او بأزمة تتعرض لها وبداخلنا كلنا سؤال واحد كيف يكون لكل البشر حق فى الاطمئنان عليك والوقوف معك والى جانبك ماعدا امى حرمتها من هذا الحق وجعلتها غريبة ،منبوذة ، اى ذنب اقترفته لتجعلها على هذه الحالة من اللاشىء ولا وجود ..

غيابك كان قاتلا ولكن وجودك فى الحياة بطريقتك كان قاسيا مفزعا فقد مزقتنا ياابى بينك وبين امنا ولم تترك لنا فرصة لنعيش اسوياء ، نعم ياابى انا لاعنا لحياتى كارها لوجودى ناقما لكونك ابى ، كنت اتمنى ان اعيش معك ومع امى واخوتى ولكنك آثرت نفسك علينا وتركتنا فى غياب قسرى لاسامحك الله عليه ولاعلينا ..

عن admin

شاهد أيضاً

الإعلامية كريمة أبو العينين تكتب.. وكان ليه..!!!

عشرون عاما بعد موته وهو لاينسى لحظة حضور ملك الموت وترجيه له بان يتركه للحياة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *